سيد محمد طنطاوي

337

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين لقد أقمت لكم الأدلة الناصعة على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلى عظيم قدرته ، وعلى أنى رسول من عنده ، وصادق فيما أبلغه عنه . * ( فَإِنْ أَعْرَضُوا ) * عن دعوتك ، ولجوا في طغيانهم ، واستمروا في كفرهم وعنادهم . * ( فَقُلْ ) * لهم على سبيل التحذير : لقد * ( أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ ) * . وخص - سبحانه - عادا وثمود بالذكر ، لأن مشركي قريش يعرفون ما جرى لهؤلاء الظالمين . إذ قوم عاد كانوا بالأحقاف - أي بالمكان المرتفع الكثير الرمال - في جنوب الجزيرة العربية ورسولهم هو هود - عليه السلام - . وأما ثمود فهم قوم صالح - عليه السلام - ، ومساكنهم كانت بشمال الجزيرة العربية ، وما زالت آثارهم باقية ، وأهل مكة كانوا يمرون عليها في طريقهم إلى بلاد الشام للتجارة . والضمير في قوله - تعالى - : * ( إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه . . . ) * يعود إلى قوم عاد وثمود . والمراد بالرسل : هود وصالح - عليهما السلام - من باب إطلاق الجمع على الاثنين ، أو من باب إدخال من آمن بهما معهما في المجيء إلى هؤلاء الأقوام لدعوتهم إلى عبادة اللَّه وحده . وقوله : * ( إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ . . . ) * حال من قوله * ( صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ ) * وقوله * ( مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ ) * متعلق بجاءتهم . والمراد بالجملة الكريمة : أن الرسل بذلوا كل جهدهم في إرشاد قوم عاد وثمود إلى الحق ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم وبينوا لهم بأساليب متعددة حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين . وقوله : أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه بيان لما نصح به الرسل أقوامهم و « أن » يصح أن تكون مصدرية ، أي : بأن لا تعبدوا إلا اللَّه ، ويصح أن تكون مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف . أو تفسيرية لأن مجيء الرسل يتضمن قولا . أي جاء الرسل إلى قوم عاد وثمود بكل دليل واضح على وجوب إخلاص العبادة للَّه ، ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم ، وقالوا لهم : اجعلوا عبادتكم للَّه - تعالى - وحده . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : * ( إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ . . . ) * .